الفصل السادس: السرد

من ويكي أضِف
مراجعة 12:08، 3 أبريل 2018 بواسطة صُفارة (نقاش | مساهمات) (صورة المنحنى الدرامي)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

6.1 الفكرة

الفكرة هي أصل وبداية كل مشروع سواء كان لفيلم روائي أو تسجيلي أو كل أنواع الميديا المختلفة، الفكرة هي أول نقطة في بداية السرد أو الحكي، وقد تأتي الفكرة من عدة مصادر مثل:

  • موقف من المواقف الحياتية والشخصية التي نمر بها أو نراها على مدار يومنا وتؤثر في نفس الكاتب ويجعل من هذا الموقف النواة الأولي لبداية فكرته وميلادها.
  • أو من شخصية تؤثر في عقل الكاتب وتزيد من شغفه وتخاطب كل وجدانه وتجعله يريد صنع فيلما عنها وتكون تلك الشخصية لها مميزات وصفات تجعل منها شخصية مثيره تجعل من الكاتب يفعل ما في جهده من أجل أن يستطيع أن يجعل هذا الشغف الذي أصابه يصيب نفس وروح المتلقي أيضا.
  • أو من خبر صحفي في جريدة.
  • أو من قناعة أيديولوجية أو فكرية معينة يحاول صانع الفيلم أن يحولها لشريط مصور.
  • سيرة شخصية وعائلية لشخصيات مقربة من الكاتب.
  • عمل أدبي أو رواية تؤثر في نفس قارئها ويرغب في رؤيتها في شكل مصور.
  • قصيدة شعرية قد تجلب عند قراءتها حالة فنية وفكرة لفيلم.
  • فترة زمنية قديمة تظهر في قراءة أو صورة فوتوغرافية فتخلق حالة من النوستالجيا والحنين لها ولشكل الحياة بها فتجلب فكرة فنية.
  • أحد الأماكن التي يزورها الشخص شاطئ أو منزل قديم أو غيره قد تؤثر فيه بطبيعتها وشكلها.


علاقة الفكرة و تطويرها بالواقع المحيط:

لأن الإنسان دائما ما يتفاعل مع واقعه ومع ما حوله من مختلف الأحداث والمواقف فتكون أغلب الأفكار تأتي من الأحداث الحقيقية لأنها أول شئ يؤثر في الإنسان ويدفعه للتساؤل. لذلك فهو يستقي من الواقع الأفكار والشخصيات المقربة والتي يراها بعينه ويعمل على تطويرها وتنسيقها بإضافة تفاصيل من خياله إلى الوقائع الحقيقية، فتبدأ عملية إعادة حكي القصة لكن بإضافة ماهو متخيل إلى ماهو حقيقي وواقعي في عملية تطوير تلك الفكرة.

حتى عندما تكون الفكرة وليدة الخيال وليس لها أصل ووجود حقيقي في الواقع، فعند عملية تطوير الفكرة وتنميتها لا يستطيع صانع العمل الفني أن يفصل تجاربه الشخصية والحياتية عن الفكرة. لأن كل تجاربه تلك تكون مادة خصبة تجعله يستقيها ويضيف منها تفاصيل حقيقية لما هو في الأصل متخيل فتنشأ حالة مركبة بإضافة التفاصيل الحقيقية للفكرة وليدة الخيال. لذلك فالتجارب الشخصية والحياتية والقراءات المختلفة وغيرها منبع أساسي للأفكار.

تلك الحالة ليست في الأفلام الروائية فقط إنما أيضا في الأفلام التسجيلية. فأوقات ما يتم نقل الأشياء والأماكن كما هي ولكن يجد صانع الفيلم نفسه في حاجة إلى مساحة من التحايل وتغيير الأماكن والأشخاص في أسلوب الحكي وطريقته. أصبحنا نرى في الفيلم التسجيلي مساحة من التمثيل أو إعادة تمثيل بعض المشاهد لتجميل وتنسيق فكرته الفنية وأوقات تكون تلك المشاهد لم تحدث بتلك الطريقة ولكن إعادة تمثيلها تجعلها تكثف الأفكار بشكل أوضح من طريقة حدوثها في الواقع.

ملحوظة: تذكر ما ذكرناه سابقاً عن الانحيازات الذاتية والعمل الموضوعي.

على ملتقط الأفكار أن يفكر كثيرا وأن يتأمل بمجرد أن يملئه الشغف تجاه شخصية أو  موقف من المواقف أن يبدأ في طرح الأسئلة على نفسه حول تلك الفكرة أو الشخصية وإلي أين ستأخذه في التطوير وما الذي يجذبه إليها بتلك القوة وماذا يريد منها وكيف يراها ويتفاعل معها وما كيف يستطيع أن يجعل إحساسه وشغفه وعاطفته تجاه تلك الشخصية أو الموقف يصل إلى المتلقي ويشعر بما يشعر به هو. فعلي سبيل المثال هناك الكثير من الأعمال المستوحاة من نماذج حقيقية.

مثال: اللص و الكلاب:

عمل مثل اللص والكلاب هو في الأصل عبارة عن قصة حقيقية ظلت تشغل الرأي العام لفترة طويلة على صفحات الجرائد لذلك المجرم الذي خرج من السجن ليقتل عشيقته وزوجها  ويدخل في صراع مع الشرطة ويجلب تعاطف شريحة كبيرة من الجمهور مع هذا المجرم، فمجرد خبر في جورنال حرك خيال الأديب نجيب محفوظ ليستوحي هذه الحادثة ليحولها إلى رواية يضيف عليها مساحة ودمج ما بين ماهو حقيقي وماهو متخيل وينشئ داخلها صراعات مجتمعية أبعد وأعلى من القصة الحقيقية وتتحول بعد ذلك إلى عمل أدبي رفيع المستوي ثم عمل فني سينمائي، وغيرها من الأفكار والأحداث والشخصيات (ريا وسكينه وخط الصعيد ...الخ). شاهد الفيلم المرفق: اللص والكلاب

مثال: المومياء:

فيلم المومياء للمخرج شادي عبد السلام أستوحى فكرته من حادثة حقيقية في أواخر القرن التاسع عشر عن قبيلة الحربات في صعيد مصر التي تعمل في بيع الآثار ورأى فيها مفارقة تلخص أزمة الهوية المصرية في بدايات القرن العشرين، جعل من تلك القصة تحمل فكرته ليُخرج لنا عملا فنيا بديعا، هناك نماذج أخرى عديدة اجتماعية وليس لها علاقة بالجريمة كالسير الذاتية لشخصيات تحمل مقدارا من الشهرة في شتى المجالات الفنية والسياسية.

شاهد الفيلم المرفق: المومياء

أخيراً الفكرة لا تساوى شيئا دون تطوير، وهذا ما سنتعرض له في الجلسات المقبلة.

6.2 تطوير الفكرة

6.2.1 البحث

أول خطوة لتطوير كل فكرة هو إجراء عملية البحث فعلى صانع الفيلم البدء في طرح مجموعة من الأسئلة المختلفة على نفسه وهذه الأسئلة هي ما تجعله يبدأ رحلة تطوير فكرته.  وتكون الأسئلة حول ثلاث محاور: (الشخصيات الأساسية - المكان - الزمان)

الشخصيات الأساسية:

  • من شخصيات الفكرة المراد تطويرها.
  • طبائع الشخصيات ودائرة حياتهم ومشاكلهم اليومية.
  • العلاقات بين الشخصيات ومقدار تأثير كل منها على الأخرى.
  • علاقة الشخصيات بزمانهم ومقدار تعاملهم معه.
  • علاقة الشخصيات والدراما والمشاكل التي تجعل الشخصيات تصطدم أو تتوافق مع بعضها البعض.
  • علاقة الشخصيات بالمكان المتواجدين فيه وطبيعته.

المكان:

  • ما طبيعة وشكل المكان المتواجد فيه الشخصيات.
  • ما علاقة الشخصيات بالمكان من حيث التفاعل والتناغم معه.
  • إلي أي مدى يؤثر المكان على الشخصيات سواء سلبا أو إيجابا.

الزمان:

  • ما زمن الشخصيات الفعلي الذي تعيش فيه.
  • ما مقدار تأثير مرور الزمن على تغييرات الشخصيات والمكان سويا.
  • ما مقدار تفاعل الشخصيات ورضاهم عن الزمن وتعاملهم مع تقلباته.

وكل هذه الأسئلة ما تجعل الكاتب يحاول الوصول إلى أجوبة عنها تجعله يبدأ عملية خلق فكرته وتطويرها وترسله إلى دائرة من الأفكار الكثيرة التي تجعل دوائر الإبداع والتكوين تتفاعل لتطوير فكرته.

مصادر البحث

المكتبات: الكتب و الجرائد

في رحلة البحث لتطوير الفكرة من الممكن تحفيز القدرة على الابتكار من خلال المشاهدات والقراءات المختلفة فمشاهدة نوعية من الأعمال الفنية قد تتشابه مع نفس الفكرة أو تحفز العقل بتفاصيل قد تساعد في تطوير الفكرة. أيضاً قراءة بعض الأعمال الأدبية المختلفة أو الشعر تساعد على التطوير والتفكير والإبداع وعلي فتح أفاق واسعه من التخيل والقدرة على الحكي وربط التفاصيل بعضها ببعض.

الأفلام الأخرى القريبة من نفس الفكرة

ولأن الأفكار ليست حكر على أحد فأوقات ما تكون هناك فكرة تخطر على بالك وقد تتشابه مع فكرة أخرى لكاتب آخر أو صانع عمل آخر وأوقات تكون الفكرة المتشابهة قد تم تنفيذها  في عمل فني آخر. فلا يوجد ما يمنع من أن يري صانع الفيلم  الأفكار والأفلام التي تحمل مساحة من الشبه بفكرته، فقد تجلب له بعض الأفكار الجديدة وقد تجعله يرى السلبيات التي لحقت بالفكرة المشابهة لفكرته. تجعله قادر على تطوير فكرته بشكل أفضل وطريقة أفضل وتجعله يرى سلبيات فكرته وما يستطيع إضافته من إيجابيات وتطوير لها.

البحث على الإنترنت

في رحلة البحث من الممكن أن يقوم صاحب الفكرة والراغب بتطويرها بالبحث على الإنترنت باستخدام موسوعات المعلومات مثل الويكيبيديا أو مستودعات للمستندات والمواد مثل الأرشيف الرقمي. وحتى عبر البحث عن موضوعه في مواقع مختلفة ليقرأ ويشاهد عن كل ما يتعلق بفكرته من مكان ما أو شخصية ما أو البحث عن تاريخ ما مفيد لفكرته أو معلومة طبية ونفسية عن أحد الأمراض والحالات أو معلومة جغرافية أو تاريخية...الخ.

المعاينات

وفي عملية البحث أيضا من الممكن القيام بمعاينات والتقاط مجموعة من الصور الفوتوغرافية المتنوعة لتفاصيل أماكن لها علاقة بالعمل الفني سواء الروائي أو التسجيلي كنوع من تنشيط الذاكرة أو تصوير الشخصيات صور فوتوغرافية وكتابة جمل قصيرة وصفيه عنهم والتقاط التفاصيل التي تفيد في رحلة تطوير الفكرة وتحفيزها وزياره تلك الأماكن والنظر لها بشكل تأملي والإقامة فيها إن أمكن.

6.2.2 المفكرة الإبداعية

من الممكن أن يقوم صانع العمل بالاحتفاظ بشكل دائم بمفكرة إبداعية معه طوال الوقت وتكون أهمية تلك المفكرة الصغيرة في تدوين التفاصيل الصغيرة التي تطرأ على البال من جملة ذات معني أو شخصية أو اسم شخص ما أو اسم مكان أو مشهد متخيل يدور بين شخصيات مختلفة، فتدوين كل هذه التفاصيل بعد فترة يشكل مخزونا من الأفكار الإبداعية التي تساعد في بناء الفكرة وتطويرها ويستطيع حينها الرجوع إلى المفكرة ليأخذ منها تفاصيل يحتاج إليها.

6.2.3 الخريطة الذهنية

خلق شبكات علاقات و مسودات بناء على البحث

في رحلة البحث من الممكن أن يتم رسم خريطة أو مسودة وتلك المسودة يتم فيها توضيح الأماكن والشخصيات وارتباطهم ببعض ونسج العلاقات بينهم وبين الأماكن فيكون بالإمكان رؤية أماكن الضعف والخيوط الضعيفة التي بحاجة إلى مزيد من التواصل والترابط بشكل أفضل وبحاجة إلى مزيد من الجهد في البناء وتكون تلك المسودة في غايه الأهمية بشكل أكبر خصوصا في الأفلام التسجيلية ومن الممكن أن نكتب فيها نوعية الأسئلة التي قد تتحدث بها كل شخصية من شخصيات الفيلم التسجيلي فيكون هناك تغطية شامله لكل موضوعات الفيلم.

صورة الخريطة الذهنية

صورة

6.2.4 المقابلات

في كل عمل فني سواء كان فيلما روائيا مستوحى من شخصية حقيقية أو تسجيليا ينبغي عمل مقابلات مع الشخصية الحقيقية نفسها أو المقربين منها والاستماع إلى الشخصية بما تقوله وتنطق به لتكون مصدرا من مصادر الوحي وتكوين الشخصية وبناءها وتدوين كل الملاحظات والأسئلة التي تطرأ على بال صانع العمل الفني حول تلك الشخصية والحديث المطول معها وطرح الأسئلة والاستماع إلى الأجوبة المختلفة وتكوين وجهه نظر خاصة حول الشخصية، وزيارة الأماكن الحقيقية التي يستوحي العمل منها. وفي الأفلام التسجيلية تحديدا على صانع الفيلم أن يبدأ في عمل تحضير شامل لعمله من خلال:

  • طرح أسماء الشخصيات التي يسعى للتصوير معها.
  • التدقيق في أسباب اختيار تلك الشخصيات تحديدا.
  • أهمية الشخصيات للعمل ومقدار قربها وفائدتها.
  • قدرة الشخصيات على الكلام والتحدث بشكل جيد يفيد العمل.
  • ما نوعية وشكل الأسئلة التي سيطرحها على الشخصية.
  • ما نوعية الأجوبة والردود التي يتوقعها من الشخصية.

وأثناء عمل المقابلات مع الضيف أو التصوير معه؛ على صانع الفيلم أن يكون شديد التركيز في ما ينطقه الضيف من إجابات ويقدمه من معلومات وهل هي تشمل كل ما يدور في بال صانع الفيلم؟ والتركيز على الأسئلة وليدة اللحظة التي تأتي على البال ولم تكن ضمن الأسئلة المعدة سلفا، وقرب انتهاء المقابلة والتصوير على صانع الفيلم أن يقف لدقائق معدودة ويسأل نفسه بعد الانتهاء من الحديث مع الشخصية أو التصوير معها - هل قام الضيف بالإجابة على كل الأسئلة المطروحة بشكل كاف ومفيد؟ هل كانت جمل الضيف الحوار يه تحمل مساحة من الاتزان والنطق السليم للجمل والعبارات دون تلعثم أو سكتات كثيرة فتكون هناك جمل كاملة ومفيدة ومتسقة مع الموضوع - وهل كانت الأسئلة كافية وبشكل كامل لتغطية كل جوانب الموضوع المعُد لتحضيره أو ما تم تصويره أم هناك مزيد من الأسئلة التي لم تخطر على بال صانع الفيلم وهو بحاجة إلى توجيهها للضيف حتي يكون لديه متسع من الوقت لإضافة تفاصيل أو توجيه أسئلة جديدة تفيد عمله.

الحقوق و الواجبات

في الأفلام التسجيلية يقع على عاتق صانع الفيلم مسئولية كبيرة تجاه الشخصيات التي سيقوم بالتصوير معها فالمبدأ الأول هو موافقة الشخصية على التصوير معها  وشرح الموضوعات التي ستقوم الشخصية بالحديث فيها وموافقتها على ذلك،  والمبدأ الثاني هو حرص صانع العمل على عدم تصوير أي شئ يؤذي الشخصية أو قد يُعرضها لأي خطر وموافقة الشخصية للموضوعات التي ستتحدث عنها، والمبدآن يقعان تحت الأمانة العملية في صناعة الفيلم والأمانه في التعامل مع الشخصيات واحترام حقوقها وحريتها. في حالة رفض الشخصية فعلي صانع الفيلم أن يقوم بالحديث المطول مع الشخصية لمعرفة أسباب رفضه للتصوير معه أو رفضه لموضوع معين بالحديث عنه ويعرف كل الأسباب ويطرح حلول واقتراحات للشخصية ليصل إلى حل معها حول التصوير وإقناع الشخصية بالموافقة على نوعية الموضوعات وإذا لم يستطع الوصول إلى نقطه التقاء وحل مع الشخصية فعليه أن يقف على رغبة الشخصية في الرفض للتصوير بشكل كامل أو رفض الحديث حول أحد الموضوعات بشكل خاص.

وفي حالة الموافقة على التصوير فعلى صانع الفيلم أن يأخذ موافقة مكتوبة للشخصية بالتصوير واستغلال كل المادة المصورة في عمل فني، ومن الممكن أن يأخذ موافقة مصورة للشخصية يتحدث فيها عن موافقته للتصوير واستغلال المادة المصورة وشخصيته في عمل فني، وذلك كله ليكون العمل تام على أكمل وجه ولا يحدث أي مشكلات مستقبلية للشخصيات أو صناع العمل فيكون الجميع في حالة موافقة على المادة المصورة.

اختيار مكان اللقاء

في اختيار المكان للتصوير مع الضيف ينبغي أن يكون المكان مريح للشخصية حتى تستطيع التحدث فلا يكون مكانا تكرهه الشخصية أو تخشاه وتكون في قلق وعدم راحه للحديث وهي في هذا المكان،  ويتم التركيز في مضمون المكان بالنسبة للشخصية وللعمل الفني، مدي علاقة المكان الذي يتم فيه تصوير الشخصية بها وماهي الخلفية التي ستظهر خلف الشخصية والزاوية المراد إظهار الشخصية بها وبالشكل المناسب، واختيار المكان في غايه الأهمية وأيضا التركيز على الخلفية التي ستظهر خلف الضيف فلا تكون الخلفية ملفته للنظر بشكل كبير فتلهي المشاهد عن الشخصية وحديثها وتجذب الأنظار فتُضعف من وجود الضيف ومن حديثه فلابد أن تكون الخلفية مناسبة ومريحة ومرتبطة بالضيف.

ولذلك لابد على صانع العمل من طرح مجموعة من الأسئلة حول المكان سواء كان في الفيلم الروائي أو التسجيلي حول أهميته:  ماذا أريد إظهاره من هذا المكان؟ ماهي التفاصيل التي تجعله غنيا وملائما ؟ ماهي عيوب المكان التي لا أريد إظهارها وإذا أردت إظهارها فلماذا ولأي غرض؟

وعلي صانع الفيلم عند معاينة مكان التصوير سواء في الفيلم الروائي أو التسجيلي أن يتأمل تفاصيل المكان جيدا ويدقق في شكل المكان وألوانه وتفاصيله الصغيرة وهل هو مناسب للشخصيات ويدون بشكل كامل عن المشاكل والمعوقات التي يراها في مكان التصوير من حيث الصورة أو الصوت ليستطيع تلافيها أثناء التصوير ويحدد بدقة شكل لقطاته التي تظهر جماليات المكان وتفاصيله الغنية ومقدار تعايش الشخصيات مع هذا المكان.

6.3 الهوية البصرية

هناك عدة طرق لتقسيم لقطات الفيلم وعمل خطة للهوية البصرية لكل نوع لقطات:

  • تحديد المشاهد الرئيسية وطبيعتها
  • تقسيم كل شخصية أو كل جزْء من الحكاية بشكل بصري معين
  • في الفيلم التسجيلي يمكن تقسيم أنواع اللقطات بشكل واسع إلى لقطات ذات مادة سمعية (مثل اللقاءات - الحوارات بين الشخصيات - الخ) و تسمى عادة بالمادة الأولية A Roll واللقطات ذات مادة مكملة أي لقطات عامة ولقطات للشخصيات أثناء سير عملهم أو في أماكن مختلفة في يومهم و تسمى بالمادة الثانوية أي B Roll.

أيا كانت طريقتك في تقسيم اللقطات المهم الإجابة عن الأسئلة الآتية: طبقا لكل ما جربناه سابقاً

  • ما لقطاتك في كل مشهد؟
  • كيف ستصور شخصياتك في اللقاءات؟
  • ما حجم اللقطة؟ هل ستتحرك الكاميرا؟ كيف؟
  • ما القرارات المتعلقة باللون؟
  • كيف سيترجم ذلك في شكل مشاهد الفيلم؟
  • أين سيصور كل مشهد و كل شخصية؟
  • أي وقت في اليوم سيصور المشهد؟

والإجابة على الأسئلة السابقة هي ما يتعلق بتحديد شكل الهوية البصرية،  فالاختيار البصري لكل عنصر هو أساس كل عمل. بالاعتماد على ما رأيناه في الفصل الأول من قرارات لها علاقة بالصورة، هو الخطوة التالية في تطوير بحثك حيث أن الشكل البصري يجب أن يعكس مضمون الفيلم و طبيعته ويعتمد على البحث بشكل أساسي. الشخصيات والمواقع والأماكن والمواقف والأحداث تعطيك كصانع العمل إلهاما لتصويرها بشكل محدد.

ولكل عمل فني شكل بصري والشكل البصري يعتمد على حالة كاملة من تناسق وتناغم بين كل العناصر والمكونات لهذا العمل من الشخصيات وملابسهم واختيار الأماكن وطبيعتها الجغرافية ولونيتها وتفاصيلها الصغيرة والكبيرة من ديكورات وفرش وأيضا عنصر الزمن والذي يفرض شكل مميز للأماكن وألوانها وأيضا لونيات الملابس ونوعيتها المتماشية مع شكل هذا الزمن ولهذا فعلي كل صانع عمل فني أن يحدد هوية عمله البصرية ويعمل على خلق تناسق كامل والتفكير في كل العناصر للوصول إلى المحافظة على هوية عمله البصرية.

صورة منهج الفيديو

صورة

6.4 الزمن

في كل فيلم هناك مستويان أساسيان للزمن، فهناك:

  • زمن عرض الفيلم نفسه على الشاشة، و يطلق عليه الزمن المادي أو الزمن الحقيقي Physical Time
  • زمن الأحداث في الوقت المتخيل للقصة نفسها وهو ما يطلق عليه الزمن الفيلمي Filmic Time أي أنه الزمن بعد أن تحايل على إظهاره صانع العمل السينمائي: فقد تظهر به الثانية على مدار ساعة أو العام بالكامل قد يمر في دقيقة. وهو في ذاته قد نرى به مستويات من الزمن مثل:
    • الزمن الذي تستغرقه الأحداث نفسها ويطلق عليه الزمن الدرامي Dramatic Time
    • أو الزمن الإجمالي لأحداث القصة و يطلق عليه الزمن القصصي Story Time
    • أو الزمن النفسي للشخصيات Psychological Time
    • و غيرها. هل تتذكر مشاهد كان الزمن الحقيقي مختلف تماما عن الزمن الفيلمي؟ ماهي؟ كيف صنعت؟

بعض وسائل التحايل الزمني:

  • الإسترجاع للماضي Flashback الفلاش باك: طريقة للحكي معتمدة على الرجوع إلى أحداث قديمة نسبة للوقت الحالي في الزمن الدرامي. هو أسلوب تم أستخدامه كثيرا في السينما بشكل عام وخصوصا في أفلامنا المصرية القديمة بشكل كبير.
  • الإستباق للمستقبل Flashforward الفلاش فورورد: طريقة للحكي عكس الفلاش باك وهي بالانتقال الزمني إلى المستقبل لحكي ما سيحدث أو ما يتوقع حدوثه للشخصيات.
  • الفوتومونتاج Photomontage: وسيلة للعرض السريع لعدة أحداث سواء تحدث بشكل متتابع ومتشابه، أو تحدث بشكل متوازي أي كلها في نفس الوقت.
  • الزمن الموازي Parallel Time: طريقة للحكي يتم بناءها في طريقة الكتابة أولا ويظهر شكل تنفيذها في مرحلة مونتاج ما بعد التصوير وتعتمد على فكرة حكي حدثين في زمنيين بطريقة التوازي سواء كان الحدثين في نفس الزمن أو ربط ما بين زمن حاضر وزمن ماضي وهي طريقة تشويقيه للمتلقي لأنها تجعله يتابع تطور كل حدث في أزمنه مختلفة ويحاول توقع العلاقة أو نقطة الالتقاء.

أيضا في مجرد اختيار لقطات معينة، أو إبطاء أو تسريع لقطات، يتم التحايل تلقائياً على الزمن. لماذا نفعل ذلك؟

6.4.1 الإيقاع

الإيقاع يحدد الكثير من العناصر الأخرى منذ لحظات الكتابة الأولي لأنه سيبني بعد ذلك لقطاته طولها وقصرها. هل هو إيقاع سريع مرتبط بسرعة الأحداث التي تحدث للشخصيات وتؤثر فيها وتُغير من شؤنها أم إيقاع بطئ ناتج عن بطء الأحداث مما يتطلب أن تسير الشخصيات في نفس ذلك الإيقاع البطئ المتأمل الحذر؟

أسئلة أساسية حول إيقاع الفيلم:

  • متى يتم تقديم المعلومات الأساسية في العمل؟
  • ما الفترة الزمنية الفعلية التي تفرق بين كل معلومة هامة و أخرى؟ بين كل حدث هام و اخر؟
  • ما طبيعة الحركة الجسدية للشخصيات الرئيسية في العمل؟
  • ما طبيعة حركة الكاميرا؟
  • ما العناصر الأساسية التي تصورها الكاميرا؟ هل لها إيقاع خاص بها؟

6.5 القصة

ما القصة؟

كل اختيار يعطي معنى مختلف ويحكي قصة مختلفة، وهذا ما تحدثنا عنه من قبل.

بعض الناس لديهم قصص في وجوههم وأعينهم وأوضاع أجسامهم. من واجبنا أن تقرأ هذه القصص ثم نفهمها ونوصلها للمتفرج. لكي ننجح في هذا، يجب علينا ان ندرك جيدًا ونتحكم في أراءنا الشخصية أثناء العمل.

كما ناقشنا في الدروس السابقة أنه من أهم الأشياء هو كيفية تواصلنا مع الشخصيات والقصة، يجب علينا أن نقرر إذا ما كانت وجهة النظر المقدمة ذاتية أم موضوعية، ويجب أن يكون هذا القرار واضح جداً. أن نقدم وجهة نظر موضوعية شاملة هو شيء مستحيل عملياً. كلما ادعت وسائل الإعلام أنها موضوعية، تأكدوا أن هذا يعني وجود انحياز دفين. الموضوعية الحقيقية هو أن نقدم وجهة نظر ذاتية ولكن بوضوح وصراحة. الانتقال من وجهة النظر الذاتية للموضوعية له دلالات، من لقطة عامة للقطة تفصيلية أو العكس. كيف نقدم هذا، وكيف نعلق عليه هو ما يكون القصة التي يشاهدها الناس.

هيكل القصة:

لسرد أي قصة هناك أكثر من طريقة. الطريقة الأشهر هي الطريقة التقليدية التي تعتمد على أسلوب الحكي التقليدي والطبيعي ما يسمى ب"بناء الثلاثة فصول".

بداية - وسط - نهاية

البداية يتم فيها تقديم الشخصيات ونسج علاقاتهم ببعض وشكل حياتهم وشكل الشخصية الرئيسية وطباعها ثم الوسط حيث تبدأ الأزمة التي يواجهها البطل ويظل في صراع معها طوال مرحلة الوسط حتي تصل إلى مرحلة الذروة وهي أعلى مراحل أشتداد الأزمة وتأزمها ثم تأتي مرحلة النهاية والتي يتم فيها حل الأزمة الممتدة من الوسط وتلتقي الخيوط كلها وتُحل كل المشاكل ونصل إلى النهاية. هذه طبعا هو البناء الكلاسيكي و تفصيله في الصورة التالية:

صورة المنحنى الدرامي
صورة 

هناك أيضاً عدة أساليب مختلفة للسرد مثل: وضع المتفرج في قلب المواجهة، ثم العودة تدريجيا لشرح أسباب الأزمة و معرفة تفاصيلها.فنرى أفلاما تبدأ بمشهد هو تقليدياً نهاية الفيلم ونعود من جديد لنبدأ سرد بدايات القصة من أولها لنعرف لماذا وصلت القصة إلى تلك النهاية أو تكون البداية عند ذروة أحداث الفيلم ونعود لنحكي من جديد البداية لنصل إلى الذروة ويأتي الحل.

من الأمثلة على ذلك نري فيلم المرأة المجهولة (١٩٥٩) من إخراج محمود ذو الفقار حيث يبدأ الفيلم بالبطلة وهي عجوز ذاهبة إلى المحاكمة في جريمة قتل ويراها زوجها السابق وهو سبب ما آلت إليه فنعود بالذاكرة لحكي بداية القصة وشباب البطلة وما حدث لها ونصل إلى الذروة من جديد وابنها المحامي يترافع عنها ويأتي الحل.

طريقة أخرى للسرد وهي طريقة التوازي: حيث يكون هناك حدثين يسيران مع بعضهما في التطور وممكن أن يكونا يسيران مع بعضهما إلى الأمام أو العكس أو أكثر من حدثين وتلك الطريقة كثيرا ما تستخدم في أفلام التشويق والأكشن أو في غيرها من الأفلام .فعلي سبيل المثال نجد فيلم حياة أو موت (١٩٥٤) للمخرج كمال الشيخ واحد من هذه النماذج فنري خلق التشويق عند المتفرج لرؤية الطفلة في رحلة جلب الدواء لأبيها المريض ونري الأب المريض والمعرض للموت ونري الطبيب في محاوله منع الطفلة من الوصول إلى أبيها بالدواء الذي أعطى لها بالخطأ، ثلاث أحداث تسير بالتوازي لخلق الشغف والفضول لدي المتلقي فيظل يتابع باستمرار ما يحدث.

أخيرا يجب اختيار هيكل القصة بناءً على الموضوع، الهيكل يساعدنا في المونتاج. توجد عدة وحدات صغيرة أيضًا داخل كل قصة عبارة عن: السؤال > الإجابة. أي أن في كل وحدة في القصة تطرح سؤالا يدفع المتفرج للمشاهدة حتى يعرف إجابته. تختلف إيقاع الأسئلة والإجابات وتواليها على حسب نوع البناء المختار فمثلاً:

  • تحقيق استقصائي: السؤال -> البيانات -> الإجابة
  • فيلم يعرض رأي أو وجهة نظر: ملاحظة ١ -> ملاحظة ٢ -> ملاحظة ٣ -> استنتاج في الختام
  • احتمال -> معطيات -> دلائل -> ختام (تأكيد الاحتمال)

أمثلة لبناء هياكل قصة تقليدية:

  • الأفلام البوليسية مبنية على طرح عدة أسئلة وعدم الإجابة عنها حتى نهاية الفيلم:
  • يكون الهيكل يشبه ذلك: سؤال ١ -> سؤال ٢ -> إجابة ١ -> سؤال ٣ -> إجابة ٢ -> إجابة ٣


أفلام التشويق والإثارة قد تعطيك أجوبة قبل الأسئلة فتعرف أكثر مما يعرفه الشخصيات:

يكون الهيكل يشبه ذلك: سؤال ١ -> إجابة ٢ -> إجابة٣ -> سؤال٢ -> سؤال٣ -> إجابة١

أخيرا تستطيع اختلاق طريقة السرد التي تناسبك وتمثل الموضوع أو القصة المصورة، هذه الاقتراحات وأشكال البناء هي لحثك على التفكير في الطريقة التي تؤثر في الجمهور.أيضاً في كل أشكال السرد هناك عناصر أو ملامح مشتركة، هذه هي أبرزها:

الشخصية الرئيسية: من هي أو هو الشخصية الرئيسية و كيف تظهر؟ عادة ما يحتاج المتفرج لمعرفة الشخصية الرئيسية مبكراً أثناء المشاهدة: وإظهار مواصفاتها الشكلية وطبائعها الشخصية وعلاقاتها بالمكان الموجودة فيه وعلاقاتها بالشخصيات المحيطة بها. هل يستطيع المتفرجون أن يتماثلوا مع الشخصية الرئيسية أم لا؟ لماذا؟

الأزمة: الصراع / الأزمة هو أساس العمل الدرامي. تأتي دائما فبل المنتصف فتظهر لتمثل العائق والتحدي أمام الشخصية الرئيسية ومشكلتها الأساسية. هل الأزمة متمثلة في شخصية معادية؟ هل تتمثل في أي شكل أخر: عاصفة طبيعية - ظروف سياسية - أو غيرها؟ هل هي أقوى من الشخصية الأساسية؟ أم لا؟

الحبكة: هي طريقة ربط الأزمة طوال الأحداث بالتشويق ويتم إلقاء المعوقات في طريق الشخصية الرئيسية بحيث يظل المتلقي في شغف دائم لمعرفة كيف ستُحل الأزمة وتزول تلك المعوقات.

الذروة: هي أعلى نقطة في في تصاعد الأزمة والأحداث وهي النقطة التي يصل عندها المتلقي إلى أعلى حالات التساؤل حول كيف ستُحل الأزمة وعادة ما تكون مواجهة مباشرة بين طرفي الصراع و بعدها يأتي الحل مباشرة.

6.6 وحدات البناء في سرد الفيلم

اللقطة < المشهد < التتابع < الفصل < الفيلم

يبنى هيكل القصة اعتمادًا على الوحدات الزمنية المختلفة في الفيلم. لتعريف تلك الوحدات تم الاتفاق على الآتي:

  • اللقطة: هي أصغر وحدة في الفيلم المصور وهي الصورة المتحركة المتصلة من بداية الضغط على مفتاح التسجيل وحتى الضغط على مفتاح التوقف.
  • المشهد: عدة لقطات مجمعة تشترك في الزمان والمكان والحدث، مثلًا أثناء تصويرك داخل مظاهرة واحدة يمكنك تصوير عدة لقطات من زوايا مختلفة وتقطيعها معًا أثناء المونتاج لتصبح مشهدًا واحداً.
  • التتابع: هو عدة مشاهد تشترك في الفترة الزمنية: مثلًا تتابعًا من مشاهد لأحداث محمد محمود، كل مشهد في يوم من ١٨ نوفمبر حتى ٢٥ نوفمبر. الكثير من الأفلام المصنوعة شعبيًا هي مشاهد أو تتابعات.
  • الفصل: في الأفلام الطويلة نجد عدة فصول، مثل فصول المسرحية، والتي تتكون من مجموعة تتابعات مع بعض تعتبر قصة رئيسية وموحدة كجزء من الفيلم ككل.
  • الفيلم: هو الفيلم كاملًا باحتوائه لعدة فصول التي هي وحدات الهيكل الرئيسية (بداية – وسط - نهاية)
  • و لكن كما قلنا سابقاً، هذه التعريفات لمجرد تسهيل العمل والتفكير في كيفية بناء الفيلم. ولكن لا يجب الالتزام بها بغض النظر عن موضوع الفيديو الخاص بك، فيمكن وجود فيلم هو عبارة عن لقطة واحدة أو مشهد واحد.